محمد حسين الذهبي
425
التفسير والمفسرون
تحصيل العلوم التي عاناها ، مما يدل على ذكائه الخارق وذهنه الثاقب . أما تصانيفه فكثيرة ، تقارب المائة مصنف ، ومن أهمها : كتاب الشفاء في الحكمة ، والنجاة والإشارات ، والقانون ، وغير ذلك من كتبه القيمة ، التي انتفع الناس بها كثيرا . ولقد جمع أبو علي ابن سينا إلى شهرته العلمية شهرة أخرى سياسية ؛ إذ أنه كان يتقلد مع والده الأعمال للسلطان ، ولما اضطربت أمور الدولة خرج أبو علي من بخارى ، وطوف ببلاد كثيرة حتى وصل إلى همدان ، وهناك تقلد الوزارة لشمس الدولة ، ثم ثار الجند عليه ، وأغاروا على داره ، ونهبوها ، وقبضوا عليه ، وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع ، ثم أطلق فتوارى ، ثم أعاده شمس الدولة وزيرا بعد ذلك ، ولما مات شمس الدولة توجه إلى أصبهان ، ثم أدركه مرض شديد مات على أثره ، وكانت وفاته بهمذان سنة 428 ه ثمان وعشرين وأربعمائة من الهجرة ، ودفن بها ، فرحمه اللّه « 1 » . مسلك سينا في التفسير : ابن سينا كمسلم يدين بالقرآن ، وفيلسوف محب للفلسفة حريص على سلامة ما فيها من آراء ، كان حريصا كل الحرص على أن يوفق بين الدين والفلسفة ، حتى يرضى ناحيته الدينية والفلسفية . وكان طبيعيا - والقرآن هو الدعامة الأولى من دعائم الإسلام - أن يوفق ابن سينا بين نصوص القرآن والنظريات الفلسفية التي تبدو معارضة لها ، وفعلا قام بهذه العملية التي كانت - فيما أعتقد - شرا على الدين ، وإبطالا لحقائق القرآن الصريحة الثابتة . نظر ابن سينا إلى القرآن ، ونظر إلى الفلسفة ، فحكم النظريات الفلسفية في النصوص القرآنية ، فشرحها شرحا فلسفيا بحتا ، وكانت طريقته التي يسلكها في شرحه غالبا هي شرح الحقائق الدينية بالآراء الفلسفية ، وذلك لأنه كان يعتقد أن القرآن ما هو إلا رموز رمز بها النبي صلى اللّه عليه وسلم لحقائق تدق على
--> ( 1 ) انظر وفيات الأعيان ج ص 271 - 275 ، وشذرات الذهب ج 3 ص 234 - 237